المَقالاتِيّ

و م ع - فاروق العلمي - أعيد النشر هنا بتاريخ 20/12/2021

بايدن في البيت الأبيض.. سنة أولى على وقع التقلبات





واشنطن - بعد انتخابه في استحقاقات وصفت بالتاريخية، أصبح جو بايدن أول رئيس أمريكي يحصل على أزيد من 80 مليون صوت، قبل أن تتراجع شعبيته بشكل ملحوظ مع انتهاء سنة أولى كانت مليئة بالتقلبات، مما أثار الحيرة إزاء هذا التراجع غير المتوقع.


فمنذ وصوله إلى البيت الأبيض في 20 يناير 2021، عمل بايدن جاهدا على ترجمة أقواله إلى أفعال، مع الحرص على مساعدة الأمريكيين على تجاوز أكبر تحدي يواجهونه في الوقت الراهن، والمتمثل في جائحة كوفيد-19. وقد تطلب الأمر من الرئيس الأمريكي الـ 46 أقل من شهرين لاعتماد خطة كبيرة للإنقاذ الاقتصادي بقيمة 1,9 تريليون دولار.

وبالموازاة مع ذلك، تم إطلاق حملة واسعة للتلقيح توافدت خلالها أعداد كبيرة من الأمريكيين على مدى أشهر على مراكز التلقيح التي فتحت أبوابها في كل أنحاء البلاد. غير أن شهر العسل هذا لم يدم طويلا.

وحسب معطيات مراكز المراقبة والوقاية من الأمراض، فقد تلقى حتى الآن نحو 60 في المائة من الأمريكيين تلقيحا كاملا ضد فيروس كورونا، وهو رقم يبقى بعيدا عما كان منتظرا، لاسيما بالنظر إلى الوسائل التي وفرتها الحكومة الأمريكية.

وساهم معدل التقليح المنخفض نسبيا في حدة انتشار موجة المتحور دلتا التي أصابت الولايات المتحدة بقوة الصيف الماضي، مما أدى إلى التأثير على مصداقية استراتيجية التواصل التي اتبعها البيت الأبيض في ما يتعلق بالجائحة، والمتمثلة في القول إن الأسوأ أصبح ما الماضي.

غير أن الجائحة لاتفسر لوحدها النسبة الهزيلة لـ 43 في المائة من الأمريكيين الذين عبروا عن ارتياحهم لأداء بايدن. ذلك أن هذا الأخير يعتبر الرئيس الأمريكي الذي يتوفر على أدنى نسبة شعبية بنهاية سنته الأولى في البيت الأبيض منذ 1945، باستثناء دونالد ترامب.

واللوم ي لقى غالبا في مثل هذه الحالات على الاقتصاد بالدرجة الأولى. فالتضخم المتسارع الذي استفحل مع اضطراب سلاسل التزويد والارتفاع المتزايد في الاستهلاك -الذي يعود بدوره إلى التعافي الاقتصادي القوي-، كلها عوامل شكلت عبئا حقيقيا بالنسبة للرئيس بايدن وحكومته.
لكن ذلك ليس كل ما في الأمر. فانتخاب بايدن تم في جزء منه بفضل دعم الناخبين المستقلين الذين لم يكونوا يرغبون في بقاء دونالد ترامب، وظهر بالتالي كعضو مخضرم في مجلس الشيوخ قادر على إقناع خصومه الجمهوريين بدعم أجندته الطموحة.

غير أن الواقع مختلف. فمنذ الشهور الأولى لرئاسته، اصطدم بايدن بعائق كبير، لا يتمثل في زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، كما كان يتوقع، وإنما في جو مانشين وكيرستين سينيما. وكاد هذان العضوان الديموقراطيان "المعتدلان" في مجلس الشيوخ أن ينسفا في أكثر من مرة ولاية الرئيس بايدن.

وقد استغل عضوا مجلس الشيوخ المحسوبين على الوسط السلطة التي يمنحها إياهما صوتاهما الحاسمين داخل مجلس الشيوخ، المقسم بشكل متساو، لفرض أفكارهما الخاصة على الديموقراطيين التقدميين أمثال بيرني ساندرز.

وعلى هذا الأساس، حينما أراد بايدن اعتماد خطته الطموحة للبنية التحتية بقيمة ثلاثة تريليونات دولار، اضطره مانشين وسينيما على تقليصها إلى 1,9 تريليون دولار.

ومع إعلان هذا التوافق، قال بايدن، محاولا طمأنة جناح التقدميين داخل حزبه، إن هذا المخطط سيجري تبنيه بالموازاة مع حزمة اجتماعية أخرى ستكلف هي الأخرى 3,5 تريليون دولار.

وأسفر هذا التكتيك عن صراع دام عدة أشهر بين مانشين وسينيما من جهة، والتقدميين داخل الكونغرس بقيادة بيرني ساندرز وبراميلا جايابا بمجلس النواب، من جهة أخرى. وقد رفض هذان الأخيران المصادقة على خطة الحزبين للبنية التحتية في المجلس طالما ظل مانشين وسينيما يرفضان مخطط النفقات الاجتماعية الذي يعتبرانه مكلفا جدا.

وكشف هذا الصراع الداخلي الذي كان له صدى إعلامي واسع، مدى الانقسامات بين الديموقراطيين الذين لم يكونوا يضيعيون أي فرصة دون اتهام بعضهم البعض بتأخير تبني العنصرين الأساسيين ضمن الأجندة الاجتماعية والاقتصادية لبايدن.

وبينما بدأ الأمريكيون يسأمون بسبب هذا الخلاف ويخشون من حدوث اكتساح جمهوري في انتخابات منتصف الولاية المزمع عقدها بعد سنة من الآن، أقنعت رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، الجناح الليبرالي داخل حزبها بتبني مخطط البنية التحتية الذي وافق عليه الحزبان الديمقراطي والجمهوري، مع الحصول في الوقت نفسه على وعد من نواب الوسط بتبني نسخة مخففة من مخطط النفقات بقيمة 1,7 تريليون دولار.

صحيح أن بايدن أحرز بفضل اعتماد هذه الحزمة انتصارا تشريعيا كبيرا، لكن بأي ثمن؟ فالصراع الداخلي الدائر داخل الحزب الديمقراطي، والخروج المأساوي للولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان، وجحافل المهاجرين السريين على الحدود الجنوبية للبلاد، كلها أضرت بشكل كبير بصورة الرئيس الأمريكي.

وأمام هذا الوضع، لا يجد بايدن وفريقه خيارا آخر عدا العمل لجعل الناخبين الأمريكيين ينسون النكسات الكثيرة، تفاديا للتعرض لفشل ذريع في انتخابات منتصف الولاية في 2022.