المَقالاتِيّ

أ ف ب - أعيد النشر هنا بتاريخ 06/01/2022

الكرملين يسعى إلى احتكار السردية التاريخية لماضي روسيا





موسكو - يرى مراقبون ومؤر خون في حل منظمة "ميموريال" الحقوقية البارزة مؤشرا لا لبس فيه على رغبة الكرملين في التحك م بحاضر روسيا وماضيها كذلك.


أمرت المحكمة العليا الأسبوع الماضي بإغلاق "ميموريال إنترناشونال" -- التي وث قت الانتهاكات المرتكبة في عهد ستالين -- بعدما ات همت بخرق قانون مثير للجدل بشأن "العملاء الأجانب".

وجاءت الخطوة في نهاية عام شهد حملة أمنية غير مسبوقة بحق المعارضة في روسيا، مع توقيف أبرز معارضي الكرملين أليكسي نافالني وأنصاره وإغلاق وسائل علام مستقلة.

وتعد "مميوريال" أكثر من مجر د مجموعة حقوقية. فمنذ تأسيسها عام 1989، وث قت بلا كلل عمليات التطهير التي ارت كبت في عهد ستالين، لتجد نفسها في كثير من الأحيان في مواجهة مع جهود الرئيس فلاديمير بوتين لتمجيد الحقبة السوفياتية.

ومع إزاحة "ميموريال" عن المشهد، يخشى مؤر خون من أن السردية باتت بالكامل في قبضة جهات، على غرار أجهزة الأمن الروسية النافذة، تفض ل تقديم نسخة أقل دقة لماضي البلاد.

ويقول المؤر خ نيكيتا سوكولوف "يحاولون وضع سردية واحدة: روايتهم".

ويضيف أن "ميموريال هي الناقل لتلك النسخة الأخرى من ذاكرة الشعب".

وضعت المنظمة أرشيفا ضخما لأولئك الذين عانوا في عهد ستالين، علما أنه وسط كل عائلة روسية تقريبا ضحايا للقمع الذي عاشته البلاد في ثلاثينيات القرن الماضي.

لكن خلال المحاكمة، التي حظيت باهتمام دولي بالغ، ات هم الادعاء "ميموريال" بتشويه سمعة الاتحاد السوفياتي.

وقال القاضي أليكسي جافياروف يوم صدور الحكم "لم علينا، كأحفاد المنتصرين، أن نشعر بالعار والندم بدلا من الاعتزاز بماض مجيد؟".

ي در س جيل كامل من الشباب الروسي الذي نشأ في عهد بوتين المتواصل منذ عقدين، نسخة من الماضي تتعامل مع الجرائم التي ارتكبت في عهد ستالين على أنها مجر د تفصيل صغير في كتب التاريخ.

وقال الخبير السياسي أليكسي ماكاركين إنها "نسخة مصغرة من التاريخ السوفياتي حيث لا تظهر الدولة مذنبة".

وفي أساس نسخة الكرملين للتاريخ، تم تصوير ستالين على أنه منتصر في الحرب العالمية الثانية - التي يسميها الروس "الحرب الوطنية العظمى" - وليس دكتاتورا أطلق النار على الملايين من مواطنيه أو أرسلهم إلى معسكرات العمل القسري.

وخالفت "ميموريال" هذه العقيدة، وأثارت غضب السلطات بشكل خاص بسبب سعيها لكشف هوية الجناة إبان النظام الستاليني.

وقال مديرها يان راتشينسكي لفرانس برس إنه بينما لا تنكر الحكومة حدوث قمع، فإنها تعتبرها "مسألة خاضعة للتأويل".

وذكر أن الدولة تحاول أن ت ظهر الامر على أنه كان هناك "أفراد سيئون فعلوا ذلك، أي كأن هناك ضحايا لكن ليس هناك جناة".

وأضاف "أظهرنا بوضوح أن هذه سياسة رسمية وأن الاتحاد السوفياتي دولة إرهابية".

شهدت نهاية العام الماضي عدة تحركات أخرى لوأد أي نوع من الانتقادات تجاه الرواية الرسمية لأحداث التاريخ.

وتمت زيادة عقوبة سجن يوري دميترييف، أحد مؤرخي "ميموريال" المختصين بالغولاغ (معسكرات الاعتقال السوفياتية)، إلى 15 عاما في نفس الأسبوع الذي صدر فيه حكم المحكمة العليا.

ويقول أنصار دميترييف، الذي قضى سنوات ساعيا إلى الكشف عن مقابر جماعية في شمال روسيا، إن التهم الموجهة إليه بشأن الاعتداء الجنسي على الأطفال لا أساس لها من الصحة، وليست إلا عقابا على عمله.

كما ح كم على مراهق بالسجن لمدة أربع سنوات الشهر الماضي بعد أن نشر صورة على الإنترنت له وهو يتبول على لافتة عامة تظهر صورة لأحد قدامى المحاربين في الحرب العالمية الثانية.

ويميل بوتين (69 عاما) نحو دعم رواية للتاريخ ألطف تجاه مشغليه في جهاز الاستخبارات السوفياتي السابق "كي جي بي"، لكن دون أن يتبنى الستالينية.

وفي عام 2017، كشف النقاب عن نصب تذكاري لضحايا القمع السياسي في موسكو وأيد مؤخرا فكرة إقامة تمثال لأندريه ساخاروف -- المنشق البارز الذي ساعد في تأسيس "ميموريال".

ويرى الخبراء أن وجهة نظره هي أن القمع يجب أن ي ذكر ولكن من دون تصويره على أنه الحدث الرئيسي في القرن العشرين أو إلقاء اللوم بشأنه على الدولة السوفياتية.

ومع تمجيد ستالين بشكل متزايد في كتب التاريخ الروسية وعلى التلفزيون الحكومي، أظهر استطلاع أجراه "مركز ليفادا" المستقل الصيف الماضي أن أكثر من نصف الروس لديهم وجهة نظر إيجابية عن الدكتاتور السوفياتي الراحل.

وقال راتشينسكي إنه برفضها الاعتراف بأهوال حكم ستالين، تخاطر السلطات الروسية بإحياء بعض ما مث له.

وأضاف "بما أن الجرائم لا ت سمى كما هي، فإن الحياة تدب في جثة (ستالين)، سواء أعجبهم ذلك أم لا".